الجصاص
272
أحكام القرآن
فإن قيل : لما قال تعالى : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ولم يكن دليل القياس مفضيا بنا إلى العلم بمدلوله ، إذ كان القائس يجوز على نفسه الخطأ ولا يجوز القطع بأن ما أداه إليه قياسه واجتهاده هو الحق عند الله ، علمنا أنه لم يرد الاستنباط من طريق القياس والاجتهاد . قيل له : قولك : " إن القائس لا يقطع بأن قياسه هو الحق عند الله " خطأ لا نقول به ، وذلك أن ما كان طريقه الاجتهاد فإن المجتهد ينبغي له أن يقطع بأن ما أداه إليه اجتهاده هو الحق عند الله ، وهذا عندنا علم منه بأن هذا حكم الله عليه ، فاستنباطه حكم الحوادث من طريق الاجتهاد يوجب العلم بصحة موجبه وما أداه إليه اجتهاده . وهذه الآية أيضا تدل على بطلان قول القائلين بالإمامة ، لأنه لو كان كل شئ من أحكام الدين منصوصا عليه لعرفه الإمام ولزال موضع الاستنباط وسقط الرد إلى أولي الأمر ، بل كان الواجب الرد إلى الإمام الذي يعرف صحة ذلك من باطله من جهة النص . قوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) ، قال أهل اللغة : التحية الملك ، ومنه قول الشاعر : أسير به إلى النعمان حتى * أنيح على تحيته بجند يعني : على ملكه . ومعنى قولهم : " حياك الله " أي " ملكك الله " . ويسمى السلام تحية أيضا ، لأنهم كانوا يقولون حياك الله فأبدلوا منه بعد الاسلام بالسلام وأقيم مقام قولهم حياك الله . قال أبو ذر : كنت أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الاسلام فقلت : السلام عليك ورحمة الله . وقال النابغة : يحيون بالريحان يوم السباسب يعني أنهم يعطون الريحان . ويقال لهم " حياكم الله " والأصل فيه ما ذكرنا من أنه ملكك الله ، فإذا حملنا قوله تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) على حقيقته أفاد أن من ملك غيره شيئا بغير بدل فله الرجوع فيه ما لم يثبت منه ، فهذا يدل على صحة قول أصحابنا فيمن وهب لغير ذي رحم أن له الرجوع فيها ما لم يثبت منها ، فإذا أثيب منها فلا رجوع له فيها ، لأنه أوجب أحد شيئين من ثواب أو رد لما جيء به . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع في الهبة ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا سليمان بن داود المهري قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني أسامة بن